السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سلسلة الأحاديث القدسية مع الشرح(3)
حديث قدسي
قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم:
"أرْبَعَةٌ يَحْتَجُّون يَوْمَ القِيَامَةِ:
رَجُلٌ أصَمُ لا يسمعُ شيئاً، ورجلٌ أحمقُ، ورَجُلٌ هَرِم، ورَجُلٌ مَاتَ في فَتْرَةٍ: فأمَّا الأصَمُّ فيقولُ: رَب لقد جاءَ الإسلامُ وما أسمعُ شيئاً، وأما الأحمقُ فيقولُ: رب جاءَ الإسلامُ وما أعقلُ شيئاً والصبيانُ يحذفونني بالبعرِ، وأما الهَرِمُ فيقولُ: رب لقد جاءَ الإسلامُ وما أعقلُ شيئاً، وأما الذي ماتَ في الفَتْرَةِ فيقولُ: رب مَا أتاني لك رَسُولٌ، فيأخذُ مواثيقهم ليُطِيْعَنَّه، فيرسِلُ إليهم: أن ادخُلُوا النَارَ، فَمَنْ دَخَلَها كانت عليه بَرْدَاً وَسَلامَاً، وَمَن لم يدخُلْهَا سُحِبَ إليْهَا."
رواه أحمد وابن حبان وقَالَ الألباني: صحيح ( صحيح الجامع ).( صحيح الجامع: 881 ).
شرح الحديث
قَالَ الإمَامُ جلال الدين السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفَترة:
المعتوه
والأصم
والأبكم
والشيوخ
الذين لم يُدرِكوا الإسلام،
ثم أرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار، فيقولون كيف ؟
ولم تأتنا رسلٌ ! قال: وأيم الله، لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً، ثم يُرسَل إليهم، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه.
قَالَ أبو هريرة رضي الله عنه:
اقرأوا إن شئتم وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا.
وعن أبي صالح رضي الله عنه قال:
" يُحاسَب يوم القيامة الذين أُرسِلَ إليهم الرسل، فيُدخِل الله الجَنَّة من أطاعه، ويُدخِل النَّار من عصاه، ويبقى قومٌ من الوِلدان والذين هلكوا في الفترة، فيقول: وإني آمركم أن تدخلوا هذه النار، فيخرج لهم عنقٌ منها، فمن دخلها كانت نجاته، ومن نكص فلم يدخلها كانت هلكته."
حديث قدسي
قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم:
"قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ:
إنَّ أُمَّتَكَ لا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: مَا كَذَا ؟ مَا كَذَا ؟ حَتَى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ ؟!"
رواه مسلم وأحمد.
شرح الحديث
قَالَ الإمَامُ النووي في شرح صحيح مسلم:
في الحديث الآخر:
( لا يزال الناس يتساءلون، حتى يُقَال هذا خَلَقَ الله الخَلْقَ فمَن خَلَقَ الله ؟! فمن وجد من ذلك شيئاً فليقُل: آمنت بالله )، وفي الرواية الأخرى: (فليقُل: آمنت بالله ورسله).
وفي الرواية الأخرى:
(يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا، حتى يقول له: من خلق ربك ؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته).
وقَالَ الإمَامُ النووي:
وأما قوله صَلَّى الله عليه وَسَلَّم:
"فليستعذ بالله ولينته" فمعناه إذا عَرَضَ له هذا الوسواس فليلجأ إلى الله تعالى في دفع شَرِه عنه، وليُعْرِض عن الفكر في ذلك، وليعلم أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء، فليُعرِض عن الإصغاء إلى وسوسته وليُبادِر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها،
والله أعلم.
حديث قدسي
قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم:
"إنَّ رَجُلاً فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَاشَهُ اللهُ مَالاً وَوَلَداً، فَقَالَ لِوَلَدِهِ: لَتَفْعَلُنَّ مَا آمُرُكُمْ بِهِ، أَوْ لأُوَلِيَنَّ مِيرَاثِي غَيْرَكُمْ، إِذَا أَنَا مُتُ، فَأَحْرِقُونِي ثُمَ اسْحَقُونِي وَاذْرُونِي فِي الرِيحِ، فَإِني لَمْ أَبْتَهِرْ عِنْدَ اللهِ خَيْراً، وإنَّ اللهَ يَقْدِرُ عَلَيَ أَنْ يُعَذِّبَنِي، قَالَ: فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقاً، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ وَرَبِي، فَقَالَ اللهُ: مَا حَمَلَكَ على مَا فَعَلْتَ ؟ فَقَالَ: مَخَافَتُكَ، قَالَ: فَمَا تَلاَفَاهُ غَيْرُهَا."
رواه البخاري ومسلم واللفظ له.
شرح الحديث
قَالَ الإمَامُ النووي في شرح صحيح مسلم:
قوله صَلَّى الله عليه وَسَلَّم:
"إن رجلاً فيمن كان قبلكم راشه الله مالاً وولدا" هذه اللفظة رويت بوجهين في صحيح مسلم: أحدهما راشه بألف ساكنة غير مهموزة وبشين معجمة، والثاني رأسه بهمزة وسين مهملة،
قَالَ القاضي:
والأوَّل هو الصواب وهو رواية الجمهور ومعناه أعطاه الله مالاً وولداً.
وعن قوله:
"فإني لم أبتهر عند الله خيرا"
هكذا هو في بعض النسخ، ولبعض الرواة أبتئر بهمزة بعد التاء، وفي أكثرها لم أبتهر بالهاء وكلاهما صحيح، والهاء مبدلة من الهمزة ومعناهما لم أُقَدِّم خيراً.
وقَالَ الإمَامُ النووي:
عن قوله:
"وإن الله يقدر علي أن يعذِّبني"
فقوله هنا معناه أن الله قادر على أن يعذبني إن دفنتموني بهيئتي، فأما إن سحقتموني وذريتموني في البر والبحر فلا يقدر علي.
وقَالَ الإمَامُ النووي:
وعن قوله:
(فما تلافاه غيرها)
أي مَا تداركه.
قالَ الإمَامُ ابن حجر:
عن قوله
"فاسحقوني "
الشك هل قالها بالقاف "فاسحقوني " أو الكاف " فاسحكوني "، قَالَ الخطابي في رواية أخرى " فاسحلوني " يعني باللام ثم قال: معناه أبردوني بالسحل وهو المبرد، ويقَالُ للبرادة سحالة أو مَا اسحكوني بالكاف فأصله السحق، فأبدلت القاف كافا ومثله السهك بالهاء والكاف.
حديث قدسي
قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم:
"إِنَّ اللهَ زَوَىَ لِي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وإنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِي سَأَلْتُ رَبِي لأُمَتِي أَنْ لا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَةٍ، وَأَنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوَاً مِنْ سِوَىَ أَنْفُسِهِمْ، فيَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وإنَّ رَبِي قَالَ: يَا مُحَمَدُ، إِنِي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءاً فَإِنَهُ لا يُرَدُ، وَإِنِي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَةٍ، وَأَنْ لا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوَاً مِنْ سِوَىَ أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا، أَوْ قَالَ: مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا، حَتَىَ يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضاً، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً."
رواه مسلم والترمذي.
شرح الحديث
قَالَ الإمَامُ النووي في شرح صحيح مسلم:
قوله صَلَّى الله عليه وَسَلَّم:
"إن الله قد زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها مَا زوى لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض"
أما زوى فمعناه جمع،
وهذا الحديث فيه معجزات ظاهرة وقد وقعت كلها بحمد الله كما أخبر به صَلَّى الله عليه وسلم،
قَالَ العلماء:
المراد بالكنزين الذهب والفضة، والمراد كنزي كسرى وقيصر ملكي العراق والشام، وفيه إشارة إلى أن مُلك هذه الأمة يكون معظم امتداده في جهتي المشرق والمغرب وهكذا وقع، وأما في جهتي الجنوب والشمال فقليل بالنسبة إلى المشرق والمغرب، وصلوات الله وسلامه على رسوله الصادق الذي لا ينطق عن الهوى
( إن هو إلا وحيٌ يُوحَى ).
وقوله صَلَّى الله عليه وَسَلَّم:
"فيستبيح بيضتهم"
أي جماعتهم وأصلهم، والبيضة أيضاً العز والملك.
وقوله سبحانه وتعالى:
( وإني قد أعطيت لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة)
أي لا أهلكهم بقحط يعُمُهم، بل إن وقع قحط فيكون في ناحيةٍ يسيرة بالنسبة إلى باقي بلاد الإسلام، فلله الحمد والشكر على جميع نِعَمِه.
قَالَ المباركفوري في تحفة الأحوذي:
قوله:
"إن الله زوى لي الأرض"
أي جمعها لأجلي، قَالَ التوربشتي زويت الشيء جمعته وقبضته، يريد به تقريب البعيد منها، حتى اطلع عليه إطلاعه على القريب منها
(فرأيت مشارقها ومغاربها)
أي جميعها
"وإن أمتي سيبلغ مُلكها مَا زوى لي منها" قَالَ الخطابي: توهَّم بعض الناس أن ( مِن ) في ( منها ) للتبعيض، وليس ذلك كما توهَّمه، بل هي للتفصيل للجملة المتقدمة، والتفصيل لا يناقض الجملة، ومعناه أن الأرض زويت لي جملتها مرة واحدة فرأيت مشارقها ومغاربها، ثم هي تُفْتَحُ لأمتي جزءاً فجزءاً، حتى يصل ملك أمتي إلى كل أجزائها.
قَالَ القاري: ولعل وجه من قَالَ بالتبعيض هو أن ملك هذه الأمة مَا بلغ جميع الأرض، فالمراد بالأرض أرض الإسلام، وأن ضمير منها راجع إليها على سبيل الاستخدام (وأُعطيت الكنزين الأحمر والأبيض) بدلان مما قبلهما أي كنز الذهب والفضة، قَالَ التوربشتي: يريد بالأحمر والأبيض خزائن كسرى وقيصر، وذلك أن الغالب على نقود ممالك كسرى الدنانير، والغالب على نقود ممالك قيصر الدراهم.
وقوله
(بسنة عامة)
أي بقحط شائع لجميع بلا المسلمين، قَالَ الطيبي: السنة القحط والجدب وهي من الأسماء الغالبة
(وأن لا يُسَلِّط عليهم عدواً)
وهم الكفار.
وقوله:
"من سوى أنفسهم" صفة "عدواً"
أي كائناً من سوى أنفسهم "فيستبيح" أي العدو وهو مما يستوي فيه الجمع والمفرد أي يستأصل (بيضتهم) قَالَ الجزري في النهاية أي مجتمعهم، وموضع سلطانهم، ومستقر دعوتهم، وبيضة الدار وسطها ومعظمها، أراد عدواً يستأصلهم ويهلكهم جميعهم، قيل: أراد إذا أهلك أصل البيضة كان هلاك كل مَا فيها من طعم أو فرخ، وإذا لم يُهلِك أصل البيضة بما سَلُم بعض فراخها، وقيل: أراد بالبيضة الخوذة، فكأنه شبَّه مكان اجتماعهم والتئامهم ببيضة الحديد.
وقوله
(إذا قضيت قضاء)
أي حكمت حكماً مبرماً (فإنه لا يرد) أي بشيء لخلاف الحكم المعلق بشرط وجود شيء أو عدمه (وإني أعطيتك) أي عهدي وميثاقي (لأمتك) أي لأجل أمة إجابتك (أن لا أُهلكهم بسنة عامة) أي بحيث يعمهم القحط ويهلكهم بالكلية.
قَالَ الطيبي: اللام في ( لأمتك ) هي التي في قوله سابقاً:
( سألت ربي لأمتي )
أي أعطيت سؤالك لدعائك لأمتك والكاف هو المفعول الأوَّل،
وقوله:
( أن لا أُهلكهم )
المفعول الثاني، كما هو
في قوله:
( سألت ربي أن لا يهلكها )
هو المفعول الثاني،
(ولو اجتمع عليهم مَن)
أي الذين هم (بأقطارها) أي بأطرافها جمع قطر وهو الجانب والناحية، والمعنى: فلا يستبيح عدو من الكفار بيضتهم ولو اجتمع على محاربتهم من أطراف بيضتهم، وجواب لو مَا يدل عليه قوله، وأن لا أُسَلِّط (أو قَالَ من بين أقطارها) أو الشك من الراوي (ويسبي) ويأسر (بعضهم) بوضع الظاهر موضع المضمر (بعضاً) أي بعضاً آخر، وقَالَ الطيبي: حتى بمعنى كي، أي لكي يكون بعض أمتك يهلك بعضاً
يتبع
ان شاء الله